فصل: فصل إذَا زَوّجَ الْمَرْأَةَ الْوَلِيّانِ فَهِيَ لِلْأَوّلِ مِنْهُمَا:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.ذِكْرُ أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ:

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الثّيّبِ وَالْبِكْرِ يُزَوّجُهُمَا أَبُوهُمَا:

.إذْنُ الْبِكْرِ وَالثّيّبِ:

ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصّحِيحَيْنِ: أَنّ خَنْسَاءَ بِنْتَ خِدَامٍ زَوّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ وَكَانَتْ ثَيّبًا فَأَتَتْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَدّ نِكَاحَهَا وَفِي السّنَنِ: مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ: أَنّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنّ أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيّرَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. وَهَذِهِ غَيْرُ خَنْسَاءَ قَضَى فِي إحْدَاهُمَا بِتَخْيِيرِ الثّيّبِ وَقَضَى فِي الْأُخْرَى بِتَخْيِيرِ الْبِكْرِ. وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ قَالَ لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللّهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا؟ قَالَ أَنْ تَسْكُتَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَمُوجِبُ هَذَا الْحُكْمِ أَنّهُ لَا تُجْبِرُ الْبِكْرَ الْبَالِغَ عَلَى النّكَاحِ وَلَا تُزَوّجُ إلّا بِرِضَاهَا وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السّلَفِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْهُ وَهُوَ الْقَوْلُ الّذِي نَدِينُ اللّهَ بِهِ وَلَا نَعْتَقِدُ سِوَاهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِحُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَوَاعِدِ شَرِيعَتِهِ وَمَصَالِحِ أُمّتِهِ.

.مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِحُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

أَمّا مُوَافَقَتُهُ لِحُكْمِهِ فَإِنّهُ حَكَمٌ بِتَخْيِيرِ الْبِكْرِ الْكَارِهَةِ وَلَيْسَ رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ مُرْسَلَةً بِعِلّةٍ فِيهِ فَإِنّهُ قَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنّ الِاتّصَالَ زِيَادَةٌ وَمَنْ وَصَلَهُ مُقَدّمٌ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ فَظَاهِرٌ وَهَذَا تَصَرّفُهُمْ فِي غَالِبِ الْأَحَادِيثِ فَمَا بَالُ هَذَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ أَمْثَالِهِ وَإِنْ حَكَمْنَا بِالْإِرْسَالِ كَقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَدّثِينَ فَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيّ قَدْ عَضّدَتْهُ الْآثَارُ الصّحِيحَةُ الصّرِيحَةُ وَالْقِيَاسُ وَقَوَاعِدُ الشّرْعِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَيَتَعَيّنُ الْقَوْلُ بِهِ.

.مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِأَمْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

مُوَافَقَةُ هَذَا الْقَوْلِ لِأَمْرِهِ فَإِنْ قَالَ وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ وَهَذَا أَمْرٌ مُؤَكّدٌ لِأَنّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ الدّالّ عَلَى تَحَقّقِ الْمُخْبِرِ بِهِ وَثُبُوتِهِ وَلُزُومِهِ وَالْأَصْلُ فِي أَوَامِرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تَكُونَ لِلْوُجُوبِ مَا لَمْ يَقُمْ إجْمَاعٌ عَلَى خِلَافِهِ.

.مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِنَهْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ:

وَأَمّا مُوَافَقَتُهُ لِنَهْيِهِ فَلِقَوْلِهِ لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ فَأَمَرَ وَنَهَى وَحَكَمَ بِالتّخْيِيرِ وَهَذَا إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ بِأَبْلَغَ الطّرُقِ.

.مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِقَوَاعِدِ الشّرْعِ:

وَأَمّا مُوَافَقَتُهُ لِقَوَاعِدِ شِرْعِهِ فَإِنّ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ الْعَاقِلَةَ الرّشِيدَةَ لَا يَتَصَرّفُ أَبُوهَا فِي أَقَلّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا إلّا بِرِضَاهَا وَلَا يُجْبِرُهَا عَلَى إخْرَاجِ الْيَسِيرِ مِنْهُ بِدُونِ رِضَاهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُرِقّهَا وَيُخْرِجَ بُضْعَهَا مِنْهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا إلَى مَنْ يُرِيدُهُ هُوَ وَهِيَ مِنْ أَكْرَهِ النّاسِ فِيهِ أَبْغَضِ شَيْءٍ إلَيْهَا؟ وَمَعَ هَذَا فَيُنْكِحُهَا إيّاهُ قَهْرًا بِغَيْرِ رِضَاهَا إلَى مَنْ يُرِيدُهُ وَيَجْعَلُهَا أَسِيرَةً عِنْدَهُ كَمَا قَالَ النّبِيّ اتّقُوا اللّهَ فِي النّسَاءِ فَإِنّهُنّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ أَيْ أَسْرَى وَمَعْلُومٌ أَنّ إخْرَاجَ مَالِهَا كُلّهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا أَسْهَلُ عَلَيْهَا مِنْ تَزْوِيجِهَا بِمَنْ لَا تَخْتَارُهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَلَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ قَالَ إنّهَا إذَا عَيّنَتْ كُفْئًا تُحِبّهُ وَعَيّنّ أَبُوهَا كُفْئًا فَالْعِبْرَةُ بِتَعْيِينِهِ وَلَوْ كَانَ بَغِيضًا إلَيْهَا قَبِيحَ الْخِلْقَةِ.

.مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِمَصَالِحِ الْأُمّةِ:

وَأَمّا مُوَافَقَتُهُ لِمَصَالِحِ الْأُمّةِ فَلَا يَخْفَى مَصْلَحَةُ الْبِنْتِ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ تَخْتَارُهُ وَتَرْضَاهُ وَحُصُولُ مَقَاصِدِ النّكَاحِ لَهَا بِهِ وَحُصُولُ ضِدّ ذَلِكَ بِمَنْ تُبْغِضُهُ وَتَنْفِرُ عَنْهُ فَلَوْ لَمْ تَأْتِ السّنّةُ الصّرِيحَةُ بِهَذَا الْقَوْلِ لَكَانَ الْقِيَاسُ الصّحِيحُ وَقَوَاعِدُ الشّرِيعَةِ لَا تَقْتَضِي غَيْرَهُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ.

.الْحُجّةُ عَلَى مَنْ اسْتَمْسَكَ بِحَدِيثِ الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا فِي إجْبَارِ الْبِكْرِ:

فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثّيّبِ وَقَالَ وَلَا تُنْكَحُ الْأَيّمُ حَتّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ وَقَالَ الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فَجَعَلَ الْأَيّمَ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا فَعُلِمَ أَنّ وَلِيّ الْبِكْرِ أَحَقّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَإِلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْأَيّمِ بِذَلِكَ مَعْنًى. وَأَيْضًا فَإِنّهُ فَرّقَ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْإِذْنِ فَجَعَلَ إذْنَ الثّيّبِ النّطْقَ وَإِذْنَ الْبِكْرِ الصّمْتَ وَهَذَا كُلّهُ يَدُلّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا وَأَنّهَا لَا حَقّ لَهَا مَعَ أَبِيهَا. فَالْجَوَابُ أَنّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلّ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا مَعَ بُلُوغِهَا وَعَقْلِهَا وَرُشْدِهَا وَأَنْ يُزَوّجَهَا بِأَبْغَضِ الْخَلْقِ إلَيْهَا إذَا كَانَ كُفْئًا وَالْأَحَادِيثُ الّتِي احْتَجَجْتُمْ بِهَا صَرِيحَةٌ فِي إبْطَالِ هَذَا الْقَوْلِ وَلَيْسَ مَعَكُمْ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا هَذَا إنّمَا يَدُلّ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَمُنَازِعُوكُمْ يُنَازِعُونَكُمْ فِي كَوْنِهِ حُجّةً وَلَوْ سَلّمَ أَنّهُ حُجّةٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ الصّرِيحِ وَهَذَا أَيْضًا إنّمَا يَدُلّ إذَا قُلْت: إنّ لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا وَالصّوَابُ أَنّهُ لَا عُمُومَ لَهُ إذْ دَلَالَتُهُ تَرْجِعُ إلَى أَنّ التّخْصِيصَ بِالْمَذْكُورِ لَابُدّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ وَهِيَ نَفْيُ الْحُكْمِ عَمّا عَدَاهُ وَمَعْلُومٌ أَنّ انْقِسَامَ مَا عَدَاهُ إلَى ثَابِتِ الْحُكْمِ وَمُنَتّفِيهِ فَائِدَةٌ وَأَنّ إثْبَاتَ حُكْمٍ آخَرَ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَائِدَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضِدّ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَأَنّ تَفْصِيلَهُ فَائِدَةٌ كَيْفَ وَهَذَا مَفْهُومٌ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الصّرِيحِ بَلْ قِيَاسُ الْأَوْلَى كَمَا تَقَدّمَ وَيُخَالِفُ النّصُوصَ الْمَذْكُورَةَ. وَتَأَمّلْ قَوْلَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا عَقِيبَ قَوْلِهِ الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا قَطْعًا لِتَوَهّمِ هَذَا الْقَوْلِ وَأَنّ الْبِكْرَ تُزَوّجُ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَلَا إذْنِهَا فَلَا حَقّ لَهَا فِي نَفْسِهَا الْبَتّةَ فَوَصَلَ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى دَفْعًا لِهَذَا التّوَهّمِ. وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الثّيّبِ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا حَقّ الْبَتّةَ.

.مَنَاطُ الْإِجْبَارِ:

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَنَاطِ الْإِجْبَارِ عَلَى سِتّةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا: أَنّهُ يُجْبَرُ بِالْبَكَارَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ.
الثّانِي: أَنّهُ يُجْبَرُ بِالصّغَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الرّوَايَةِ الثّانِيَةِ.
الثّالِثُ أَنّهُ يُجْبَرُ بِهِمَا مَعًا وَهُوَ الرّوَايَةُ الثّالِثَةُ عَنْ أَحْمَدَ.
الرّابِعُ أَنّهُ يُجْبَرُ بِأَيّهِمَا وُجِدَ وَهُوَ الرّوَايَةُ الرّابِعَةُ عَنْهُ.
الْخَامِسُ أَنّهُ يُجْبَرُ بِالْإِيلَادِ فَتُجْبَرُ الثّيّبُ الْبَالِغُ حَكَاهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصَرِيّ قَالَ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ. قَالَ وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ مِنْ الْفِقْهِ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هَذَا الْوَجْهُ الْأَسْوَدُ الْمُظْلِمُ؟ السّادِسُ أَنّهُ يُجْبَرُ من يَكُونُ فِي عياله وَلَا يَخْفَى عَلَيْك الرّاجِحُ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ.

.فصل إذْنُ الْبِكْرِ الصّمَاتُ وَإِذْنُ الثّيّبِ الْكَلَامُ:

وَقَضَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنّ إذْنَ الْبِكْرِ الصّمَاتُ وَإِذْنَ الثّيّبِ الْكَلَامُ فَإِنْ نَطَقَتْ الْبِكْرُ بِالْإِذْنِ بِالْكَلَامِ فَهُوَ آكَدُ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ: لَا يَصِحّ أَنْ تُزَوّجَ إلّا بِالصّمَاتِ وَهَذَا هُوَ اللّائِقُ بِظَاهِرِيّتِهِ.

.فصل جَوَازُ نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ:

وَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْيَتِيمَةَ تُسْتَأْمَرُ فى نَفْسِهَا وَلَا يَتِمّ بَعْدَ احْتِلَامٍ فَدَلّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغ وَهَذَا مَذْهَبُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ يَدُلّ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا. قَالَ تَعَالَى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّسَاءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَاءِ اللّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنّ مَا كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ} [النّسَاءُ 127]. قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيّهَا فَيَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا وَلَا يُقْسِطُ لَهَا سُنّةَ صَدَاقِهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنّ إلّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنّ سُنّةَ صَدَاقِهِنّ وَفِي السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّكَاحِ بِلَا وَلِيّ:

فِي السّنَنِ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: أَيّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسّلْطَانُ وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيّ لَهُ قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْهُ لَا نِكَاحَ إلّا بِوَلِي لَا تُزَوّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُزَوّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنّ الزّانِيَةَ هِيَ الّتِي تُزَوّجُ نَفْسَهَا.

.فصل إذَا زَوّجَ الْمَرْأَةَ الْوَلِيّانِ فَهِيَ لِلْأَوّلِ مِنْهُمَا:

وَحَكَمَ أَنّ الْمَرْأَةَ إذَا زَوّجَهَا الْوَلِيّانِ فَهِيَ لِلْأَوّلِ مِنْهُمَا وَأَنّ الرّجُلَ إذَا بَاعَ لِلرّجُلَيْنِ فَالْبَيْعُ لِلْأَوّلِ مِنْهُمَا.

.فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ فِي نِكَاحِ التّفْوِيض:

ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَضَى فِي رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتّى مَاتَ أَنّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا وَلَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدّةُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَتَرْضَى أَنْ أُزَوّجَكَ فُلَانَةَ؟ قَالَ نَعَمْ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوّجَكِ فُلَانًا؟ قَالَتْ نَعَمْ فَزَوّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ فَدَخَلَ بِهَا الرّجُلُ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا فَلَمّا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ عَوّضَهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمًا لَهُ بِخَيْبَرَ وَقَدْ تَضَمّنَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ جَوَازَ النّكَاحِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ وَجَوَازَ الدّخُولِ قَبْلَ التّسْمِيَةِ وَاسْتِقْرَارَ مَهْرِ الْمِثْلِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَوُجُوبَ عِدّةِ الْوَفَاةِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزّوْجُ وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَفُقَهَاءُ الْعِرَاقِ وَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ مِنْهُمْ أَحْمَدُ وَالشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ. وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: لَا صَدَاقَ لَهَا وَبِهِ أَخَذَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَالِك وَالشّافِعِيّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ. وَتَضَمّنَتْ جَوَازَ تَوَلّي الرّجُلِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَوَكِيلٍ مِنْ الطّرَفَيْنِ أَوْ وَلِيّ فِيهِمَا أَوْ وَلِيّ وَكّلَهُ الزّوْجُ أَوْ زَوْجٍ وَكّلَهُ الْوَلِيّ وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ زَوّجْتُ فُلَانًا فُلَانَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ أَوْ تَزَوّجْتُ فُلَانَةَ إذَا كَانَ هُوَ الزّوْجُ وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْوَلِيّ الْمُجْبِرِ كَمَنْ زَوّجَ أَمَتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِعَبْدِهِ الْمُجْبَرِ وَوَجْهُ هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَى وَاحِدٍ مِنْ الطّرَفَيْنِ. وَفِي مَذْهَبِهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلزّوْجِ خَاصّةً فَإِنّهُ لَا يَصِحّ مِنْهُ تَوَلّي الطّرَفَيْنِ لِتَضَادّ أَحْكَامِ الطّرَفَيْنِ فِيهِ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ تَزَوّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَهَا فِي الْحَبَلِ:

فِي السّنَنِ وَالْمُصَنّف: عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ بُصْرَةَ بْنِ أَكْثَمَ قَالَ تَزَوّجْتُ امْرَأَةً بِكْرًا فِي سِتْرِهَا فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فَإِذَا هِيَ حُبْلَى فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا الصّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَك وَإِذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوهَا وَفَرّقَ بَيْنَهُمَا. أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَوُجُوبُ الْمَهْرِ الْمُسَمّى فِي النّكَاحِ الْفَاسِدِ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ الثّلَاثَةِ.
وَالثّانِي: يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ.
وَالثّالِثُ يَجِبُ أَقَلّ الْأَمْرَيْنِ. وَتَضَمّنَتْ وُجُوبَ الْحَدّ بِالْحَبَلِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيّنَةٌ وَلَا اعْتِرَافٌ وَالْحَبَلُ مِنْ أَقْوَى الْبَيّنَاتِ وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ. وَأَمّا حُكْمُهُ بِكَوْنِ الْوَلَدِ عَبْدًا لِلزّوْجِ فَقَدْ قِيلَ إنّهُ لَمّا كَانَ وَلَدَ زِنًى لَا أَبَ لَهُ وَقَدْ غَرّتْهُ مِنْ نَفْسِهَا وَغَرِمَ صَدَاقَهَا أَخْدَمَهُ وَلَدَهَا وَجَعَلَهُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ لَا أَنّهُ أَرَقّهُ فَإِنّهُ انْعَقَدَ حُرّا تَبَعًا لِحُرّيّةِ أُمّهِ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَقّهُ عُقُوبَةً لِأُمّهِ عَلَى زِنَاهَا وَتَغْرِيرِهَا لِلزّوْجِ وَيَكُونُ هَذَا خَاصّا بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبِذَلِكَ الْوَلَدِ لَا يَتَعَدّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَنْسُوخًا. وَقَدْ قِيلَ إنّهُ كَانَ فِي أَوّلِ الْإِسْلَامِ يُسْتَرَقّ الْحُرّ فِي الدّينِ وَعَلَيْهِ حِمْلُ بَيْعِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيُسْتَرَقّ فِي دِينِهِ. وَاللّهُ أَعْلَم.

.فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الشّرُوطِ فِي النّكَاحِ:

فِي الصّحِيحَيْنِ: عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ أَحَقّ الشّرُوطِ أَنْ تُوَفّوا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ وَفِيهِمَا عَنْهُ لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنّمَا لَهَا مَا قُدّرَ لَهَا وَفِيهِمَا: أَنّهُ نَهَى أَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ: عَنْهُ لَا يَحِلّ أَنْ تُنْكَحَ امْرَأَةٌ بِطَلَاقِ أُخْرَى فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالشّرُوطِ الّتِي شُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ إذَا لَمْ تَتَضَمّنْ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ اللّهِ وَرَسُولِهِ. وَقَدْ اُتّفِقَ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِتَعْجِيلِ الْمَهْرِ أَوْ تَأْجِيلِهِ وَالضّمِينُ وَالرّهْنُ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَعَلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ بِاشْتِرَاطِ تَرْكِ الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ وَالْخُلُوّ عَنْ الْمَهْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. الْإِقَامَةِ فِي بَلَدِ الزّوْجَةِ وَشَرْطِ دَارِ الزّوْجَةِ وَأَنْ لَا يَتَسَرّى عَلَيْهَا وَلَا يَتَزَوّجَ عَلَيْهَا فَأَوْجَبَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ الْوَفَاءَ بِهِ وَمَتَى لَمْ يَفِ بِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ عِنْدَ أَحْمَدَ. وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ الْبَكَارَةِ وَالنّسَبِ وَالْجَمَالِ وَالسّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الّتِي لَا يُفْسَخُ بِهَا النّكَاحُ وَهَلْ يُؤَثّرُ عَدَمُهَا فِي فَسْخِهِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. ثَالِثُهَا: الْفَسْخُ عِنْدَ عَدَمِ النّسَبِ خَاصّةً.

.بُطْلَانُ اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ طَلَاقَ أُخْتِهَا:

وَتَضَمّنَ حُكْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بُطْلَانَ اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَأَنّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ اشْتِرَاطِهَا أَنْ لَا يَتَزَوّجَ عَلَيْهَا حَتّى صَحّحْتُمْ هَذَا وَأَبْطَلْتُمْ شَرْطَ طَلَاقِ الضّرّةِ؟ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ فِي اشْتِرَاطِ طَلَاقِ الزّوْجَةِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا وَكَسْرِ قَلْبِهَا وَخَرَابِ بَيْتِهَا وَشَمَاتَةِ أَعْدَائِهَا مَا لَيْسَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَمِ نِكَاحِهَا وَنِكَاحِ غَيْرِهَا وَقَدْ فَرّقَ النّصّ بَيْنَهُمَا فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَاسِدٌ.

.فَصْلٌ فِي حُكْمه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نِكَاحِ الشّغَارِ وَالْمُحَلّلِ وَالْمُتْعَةِ وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنِكَاحِ الزّانِيَةِ:

.النّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الشّغَارِ:

أَمّا الشّغَارُ فَصَحّ النّهْيُ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةَ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَام وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَالشّغَارُ أَنْ يُزَوّجَ الرّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالشّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرّجُلُ لِلرّجُلِ: زَوّجْنِي ابْنَتَك وَأُزَوّجُك ابْنَتِي أَوْ زَوّجْنِي أُخْتَك وَأُزَوّجُك أُخْتِي وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَنّ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ أَنْكَحَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ ابْنَتَهُ وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتّفْرِيقِ بَيْنهمَا وَقَالَ هَذَا الشّغَارُ الّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الشّغَارُ الْبَاطِلُ أَنْ يُزَوّجَهُ وَلِيّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوّجَهُ الْآخَرُ وَلِيّتَهُ وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنْ سَمّوْا مَعَ ذَلِكَ مَهْرًا صَحّ الْعَقْدُ بِالْمُسَمّى عِنْدَهُ. وَقَالَ الْخِرَقِيّ لَا يَصِحّ وَلَوْ سَمّوْا مَهْرًا عَلَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ. وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيّةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ إنْ سَمّوْا مَهْرًا وَقَالُوا: مَعَ ذَلِكَ بُضْعُ كُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ الْأُخْرَى لَمْ يَصِحّ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ صَحّ.

.عِلّةُ النّهْيِ عَنْهُ:

وَاخْتُلِفَ فِي عِلّةِ النّهْيِ فَقِيلَ هِيَ جَعْلُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ شَرْطًا فِي الْآخَرِ وَقِيلَ الْعِلّةُ التّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ وَجَعْلُ بُضْعِ كُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرًا لِلْأُخْرَى وَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا الْمَهْرُ بَلْ عَادَ الْمُهْرُ إلَى الْوَلِيّ وَهُوَ مِلْكُهُ لِبُضْعِ زَوْجَتِهِ بِتَمْلِيكِهِ لِبُضْعِ مُوَلّيَتِهِ وَهَذَا ظُلْمٌ لِكُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ وَإِخْلَاءٌ لِنِكَاحِهِمَا عَنْ مَهْرٍ تَنْتَفِعُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلُغَةِ الْعَرَبِ فَإِنّهُمْ يَقُولُونَ بَلَدٌ شَاغِرٌ مِنْ أَمِيرٍ وَدَارٌ شَاغِرَةٌ مِنْ أَهْلِهَا: إذَا خَلَتْ وَشَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ وَأَخْلَى مَكَانَهَا. فَإِذَا سَمّوْا مَهْرًا مَعَ ذَلِكَ زَالَ الْمَحْذُورُ وَلَمْ يَبْقَ إلّا اشْتِرَاطُ كُلّ أَحْمَدَ. وَأَمّا مَنْ فَرّقَ فَقَالَ إنْ قَالُوا مَعَ التّسْمِيَةِ إنّ بُضْعَ كُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرٌ لِلْأُخْرَى فَسَدَ لِأَنّهَا لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا مَهْرُهَا وَصَارَ بُضْعُهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقّ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ صَحّ وَاَلّذِي يَجِيءُ عَلَى أَصْلِهِ أَنّهُمْ مَتَى عَقَدُوا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنّهُ لَا يَصِحّ لِأَنّ الْقُصُودَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبِرَةٌ وَالْمَشْرُوطُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِشَرْطِ ذَلِكَ وَالتّوَاطُؤِ عَلَيْهِ وَنِيّتِهِ فَإِنْ سَمّى لِكُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرَ مِثْلِهَا صَحّ وَبِهَذَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ النّهْيِ وَاتّفَاقُ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ.